سياسة التعليم الجامعي
إذا كان الدور الأساسي للجامعة ليس مجرد توقع المستقبل ومحاولة التنبؤ بما يخفيه في طياته, وإنما هو أيضاً تقديم تصور لما يجب أن يعد لاستقباله, فإن رجال العلم لا يمكن أن يظلوا صامتين أو مكتوفي الأذرع, فعليهم أن يشركوا الجميع في هذا التصور ببساطة من يؤدي واجبه ومن يقوم بخدمة عامة. عليهم أن يقنعوا مجتمعهم بأن الغد يمكن أن يكون أنظف وأوضح وأسعد وأقل توتراً مما نعيش فيه اليوم ولكن بشرط أن نعمل منذ الآن بحكمة ووعي, ومعنى ذلك أن يكون علمنا ثمرة لما تجمع لدينا من معارف … إن من صميم رسالة العلم الإيمان بضرورة البحث حول هذا العالم الكبير الصغير في الوقت نفسه وهو الإنسان, وما ينطوي عليه من أسرار مستغلقة. والإجابة عن التساؤلات الكثيرة التي تدور حوله, وما يقاسيه من آلام وأدواء ما زالت تلح عليه. والجامعة هي الجهة المثلى للبحث في كل ذلك. ولكن صوت الجامعة الذي نبهنا إلى ضرورة الإصغاء إليه لا ينتظر أن يصدر في تسرع ولا أن يكون مستعلياً حاد النبرات ولا أن يطلب إليها أن تلتزم الصمت فالجامعة أكبر بكثير من كونها مركزاً ينقل إلى طلابه مجموعة من المعارف العلمية أو يدربهم على بعض التطبيقات التكنيكية. إنما هي المركز الذي (يعد). بدرجة قد تتفاوت - رجالاً ونساء يكون لهم دور بارز في تطور المجتمع نحو الأفضل, ولا يخلو المجتمع مع ذلك من أصوات ما زالت ترتفع منادية بالحد من دور الجامعة وجعله منحصراً في ما يسمونه (التعليم الأكاديمي) ومع أن هذه الأصوات تبدو منبعثة من بقايا عصر يفترض أنه قد ولّى وذهب فإن ذلك دليل على أننا ما زلنا نمخر في بحر مضطرب الأمواج, وأن طريقنا ما زالت تعترضه صخور علينا أن نعرف كيف نلتمس بينها طريق السلامة حتى نصل بر الأمان, ولهذا فإن على إدارة الجامعة أن تكون على وعي كامل بكل العقبات, وحسن الإدارة والتصور الواضح للأهداف شرطان لا بدّ منهما للسلطة الجامعية الحكيمة. وبفضل هذه الإدارة الواعية يمكن أن تشق طريقها بقوة - لا مجرد أن تطفو على السطح - حينما تعي دورها العظيم في كونها (جامعة) بالمعنى اللغوي للكلمة أي وعاء (يجمع) شتات المعارف والآراء. وبوتقة تضم عناصر شديدة التنوع. ورباطا يضم حزمة من الاتجاهات المتباينة كل التباين, وهذا هو الطابع الذي يميز الجامعة ويمنحها سماتها المتفردة, والذي يزداد بروزه يوماً بعد يوم يمكن أن نقول(1) إن عظمة الجامعة إنما تكمن في هذا التنوع الذي يثري ولا يمزق, ويوحّد ولا يفرق, وتتمثل في قدرتها على تقديم خلاصة كل هذه العناصر وأن تقرب إلى الأذهان ما يبدو معقداً, وتيسر فهم النصوص لغير المتخصصين وتفتح آفاقاً فسيحة أمام أولئك الذين يحصرون أنفسهم أكثر مما ينبغي في مجالاتهم الضيقة, سواء أكانت في مجال العلوم الطبيعية أم في الإنسانيات. وسيأتي اليوم الذي يستبدل فيه اسم (الجامعة) (Universidad) إلي اسم (Mulliversidad) الذي يحمل معنى التنوع والتعدد. فيكون مقابله (الجامعة الشاملة). وبإمكان المتابع لما يحصل في العالم من تطورات بعد (ثورة المعلومات) و (التكنولوجيا الخارقة) أن يتصور أن الجامعات سوف تتحول خلال سنوات قليلة من كونها (جامعات مهنية) إلي (جامعات بحثية) وسوف يقتضي ذلك إعادة لتوزيع القنوات ومفهوماً جديداً لمشكلة (الدراسة العليا) ونظرة مختلفة إلي الثقافة والتخصص. (التغير الاجتماعي أمر لا مفر منه), وعلى الجامعة أن تضطلع في سياق هذا التغير بدور لا مناص لها من القيام به وعلى وجه السرعة. لا بد أن تتجدد الجامعة في روحها وفي شكلها ولكنها ستظل محتفظة بمعناها وهدفها الأساسي. والتغير الذي ستشهده الجامعة يتمثل في مظهرين: الأول أنه ينبغي عليها أن تتكيف مع ما يطرأ على المجتمع من تطور, والثاني ألا تكتفي بمسايرة المجتمع أو القبول السلبي لما يفرضه عليها تغيره, بل عليها أن تكون طليعة هذا التغير ورائدته, فالمجتمع يتحول الآن من طابعه الزراعي إلى طابعه الصناعي, ويساي






















